خواطرمنوعات

روائح الذكريات

روائح الذكريات ..

ما أعذبها ، و أطيب أريجها ، و أرقَّ نسماتها ..

أُحِبُّها بِكُلِّ مَافِيهَا ..

وعلى الرّغْمَ من كل لحظاتِ الحُزن والشَّجَن ..

رَغْم البُكاء و ساعات الشَّقاء ..

رغم الدمع و أيام الوجع ..

ورغم كل لحظة تمنيتُ زوالها ، حتى إذا زالت بكيتُها ووَدِدْت رجوعها ..

رغم كل ما في الماضي من مآس طالت أو قصُرت .. تركت أثرا أو رحلت .

ومع كل قوافله التي شَقَّت طريقها إلى وادي الفناء حاملة معها كل فرح آسر ، و كل ترح عابر .. وكل الانكسارات والعثرات ، وكل التجارب والخبرات ، والجراحِ وندوبِها التي بقيت إما في القلب أو على الجبين لتكون شاهدا عليها ، و مُذَكِّرًا لِنَاسِيهَا .

و حين أعود حيث سكنت ونشأت تلك الذكريات .. أراني واقفا على أطلال ميتة قد غاب ساكنوها ، و هجرها أهلوها ، فأضحت قفرا من كل ما يربطني بها . ووجدتني من جديد أستنشق عبق الماضي وحيدا ، وقد ذهب الكل ، وتبدلت الحال ، ولم يبق من رفقاء الذكرى إلا أطياف تلوح لتسخر من هذا البائس المتعلق بأسمال الأمس البعيد .

ولعل أكثر ما يؤلم في الذكريات غياب من قاسمنا لحظاتها ، ورسمت أيديه مع أيدينا صفحاتها المطوية ، وقصصها المحكية ..

مؤلمة هي الذكريات حين يغيب من شاركنا بها
مؤلمة هي الذكريات حين يغيب من شاركنا بها

أُحب في ماضيَّ كل شيء ..

وأتمنى – وعبثا أفعل – أن أعود تلك الطفلة التي لا تعرف من الحياة إلا دميتها ذات الحذاء المقطوع ، والشعر المرفوع . وترى إلى اليوم في كل الدمى مهما غلى سعرها ، وارتفع ثمنها ، تلك الدمية التي تُشرى بعشرين دينارا .. وماعسى تفعل تلك العشرون اليوم ؟؟

وأتمنى – والأماني المستحيلة تتعب القلب ولا تبريه – أن أرجع تلك البريئة التي تصنع بسمتها ، وتعيش لحظتها غير آبهة بالغد كيف يجيء ، وماذا يحمل .

تلك الصغيرة التي تفهم الحياة خيرا من ابنة العشرين ونيفا التي تكتب هذه السطور ، وتعيش ضوضاء الحياة باحثة عن الهدوء ، وقد كانت وهي طفله تجده في كل شيء ، وتهديه للآخرين بوجه باش.

كنا صغارا نضحك لو جُرحنا والدموع تتغرغر في العيون لكنا نمنعها من النزول ، ونُعلي الضحكة في وجه الألم .

كنا نرمم جراحنا بأيدينا ، وببلسم براءتنا ، وحلاوة كلمتنا مهما غلظت .

وصرنا اليوم ننبش جراح بعضنا حتى نُدميها ، ويطعن كل أخ أخاه ، وكل ابن أباه ، وهو عن نفسه راض ، وبفعله مسرور .

كبرنا وخلقنا لأنفسنا مشاكلا ، ثم غرقنا فيها طائعين ، وهبطنا لقاعها راضين . وقد كان ذاك الطفل الذي كُنّاه يوما يرى شبح المشكلة فيتخطاه ، ويعرف بروحه الصافية الحل الذي جهلناه ، وأبحرنا بقواربنا المثقلة بعيدا عنه .

طفولتي بكل الذكريات الحلوة والمرة فيها ، هي الملاذ الذي ألجأ إليه حين أفقد روحي الماضية ، روح الطفلة المفعمة بالنشاط ، السائرة قدما “رغم الداء والأعداء” كما قال الشابي .

طفولتي هي الموطن الذي يصح فيه قول جرير :

ذم المنازل بعد منزلة اللوى … والعيش بعد أولئك الأقوام ( وغَيِّر الأقوام بالأيام )

أو بيتا كان يتمثل به علي الطنطاوي في أغلب كلامه في الحنين :

وقائلة في الركب : ما أنت مشته ؟ … غداة جزعنا الرمل قلت : أعود

وأنّى لنا أن نعود ؟ وقد أُغلِقت الطرق ، وسار قطار العمر .

هذه طفولتي التي أسترجعها في كل لحن أسمعه يشبه لحنها .. وفي كل صوت يُحاكي صوتها .. وفي كل صورة تمر فتُحيي في النفس صُوَرها .

أناشيد سنا ،

وصوت أبي راتب وأبي الجود ،

و”يا رب يا رب الفلق” لبراعم أبي دجانة ،

وأصوات الصغار من فتيان القدس في ” أول يوم لا أنساه … في مدرستي طاب سناه ” ، و”رأيت في عصر يوما طفلا بحال غريبة .. يبكي حزينا فتهوي منه الدموع السكيبة .. فقال لما رآني أريد أمي الحبيبة ” ، وفي ” أمي وأبي يا قمرين”

وشارات سبيستون ، وأغانيها من فاصل لفاصل ، وبرامج الكرتون ، و شارة “أبي الحنون”

وشريط “مسلمون” لأبي الفدا

وألعابنا الصغيرة التي نتذكرها من وقت لآخر

والدفتر الصغير الذي ضم صورا جمعناها من الحلوى والشكولا من ذاك الزمن الذي لم يبق منه إلا ذكرياته .

وروائح من أريج العطر ، وشذى الزهر تحملها الأنسام إلينا فتوقظ وحش الذكريات ، وتُعيد أطيافها لتؤنس قلوبنا لحظات ، ثم تغادرها تاركة مساحات من الألم لا تسكن إلا بعد حين .

ورائحة القهوة والحليب الذي كانت أمي تُعده لضيفاتها .. لتلك القهوة عبق فريد ، وطعم خاص ، وجو لا يتكرر ..

و رائحة الأدوات المدرسية في أول يوم ..

وروائح الكتب الجديدة التي كنا نستنشقها عند أول كتاب نشتريه ..

أتذكر طفولتي في زخات المطر ، وحفيف الشجر ، وخرير الساقية ، وسرحان النظر . وفي كل عصفور يُغرد ، و صدى يُردد ..

وفي سفوح الجبل وشعابه حيث وُلدتُ .. وفي ريحه الفريدة ، وهوائه الصافي الذي يتغلغل في كل عضو فيُحييه .

وفي حليب التين و أغصان الزيتون ..

وفي نوى المشمش إذ نلعبها ، وبذور القرع حين نأكلها ..

وفي تلك الصور التي التقطناها ، وصرنا نعود إليها كلما شدنا الحنين ، ونفحت رياحه .

أتذكرها في كل وجه يشبه تلك الوجوه التي عشت بمرآها ، وفي كل صوت يحمل تلك النبرات التي أحن لها ليلي ونهاري ، وفي كل رنة تدق وتر الإحساس في قلبي ، وتنعش ذكرياته .

أعود إلى الماضي دائما ، لأفتش في جيوبه وثناياه عن أخطاء أغفلتُها ، أو فروض ضيَّعْتها ، أو شروخ سبَّبتها ثم ولَّيتُها ظهري وما رمَّمْتها .

حديث الذكريات هذا يستنزف مشاعري ، ويُـتعب نفسي ، لكني لا أنفك أعود إليه كلما نادى منادي الشوق . وما هذه الكلمات إلا عبرات أيقظها النوى ، فأبى القلب إلا ان يخط حروفه ، وينثر جروحه .

ملاحظة :

هذا المقال جاء كإجابة عن سؤال في كورا العربية : ما مدى ارتباطك بطفولتك وذكرياتك؟ وما هي طقوسك لمحاولة السباحة في الماضي بمخيلتك لاستنشاق روائح الذكريات؟ ، وأحببت أن أزيد فيه بضع جمل داعبت خاطري ، وراقصت ذاكرتي .

اظهر المزيد

آفاق

ماستر ومهندسة في الإعلام الآلي والبرمجيات .كاتبة و شاعرة مبتدئة . أحب كتابة الخواطر ، مهتمة بتربية الطفل وعالمه الواسع . أحب الكتاب أيا كان موضوعها ومجالها .

مقالات ذات صلة

نورتنا بزيارتك، فلا تحرمنا من آرائك وتعليقاتك ...

زر الذهاب إلى الأعلى