خواطرمنوعات
أخر الأخبار

موت قطة ..

عندما أنظر من نافذتي إلى تلك البقعة من الحديقة ، أين وُضِع صندوق أسود ليُعلّم مكانك ، ويبين مكان قبرك . أُدرِك كم هذه الحياة قصيرة .. وكم هي فانية . لأنني مازلت أرى اليوم الذي شرّفْتِ فيه بيتنا كما لو كان أمس . ذلك اليوم الذي حمَلَت فيه “مامي” الغالية ثالث مرة . وهي المرة الوحيدة التي نجح فيها حملها . وأنجبت للوجود أربع أطفال (قطط) .

كُنتِ أنتِ أول من خرج . قطة صفراء لطيفة تشبه القطط السامية . وفتحت عينيك تماما كما فعل البقية . وظننا وقتها أنك رأيت العالم كما رأوه ، وأبصرت نور الحياة كما أبصروه . وكنا نضحك من أعماق قلوبنا عندما كانوا يقفزون من الصندوق كالأرانب ، بينما تتابعين أنتِ السير بخط مستقيم ، كما لو أن كل شيء مُسطّح أمامك . وكنا نضحك عندما يلعبون كرة القدم ، فيبدون كالكابتن ماجد احترافا . بينما تمسكين أنت الكرة ثم تفلتينها .. وتبحثين عنها فلا تجدينها . كنا نضحك من ذلك ، ونسميك “عمر” وهو شخصية من الكابتن ماجد – لمن يعرفه – لا تُجيد اللعب .

وكُنتِ تنظرين تجاهنا بعيونك الصغيرة الغامقة .. فنلاعبك كما نلاعب إخوتك ، فتستجيبين لنا حينا ، وتأبين أحيانا . وكُنتِ قمة في النشاط .. تنطين هنا وهناك . تطاردين هذا وتقاتلين ذاك .

قطتي نائمة

ثمّ مرضت إحدى عينيك وانتفخت . وفعلنا المستحيل لتعود لحالها . لم نكن نطمع أن تبصري بها من جديد ، ولكن على الأقل تعود لشكلها الجميل . وفعلا عادت .. عادت كما كانت .. ولكن .. اكتشفنا أن الضّرر في كلا العينين . وأدركنا بعد غفلة أنّك وُلِدت ضريرة .

عرفنا ذلك .. ولكنّنا ما استطعنا التصديق . لم نصدّق أن تلك العين البراقة لم تر النور يوما .. ولن تراه . لم نصدّق .. وقمنا بكل التجارب لإثبات العكس .. ولكن الحقيقة مُرّة . لم تكن عيناك تستجيبان لشيء . إلا أنه حتى اليوم – زيزي – (اسم القطة) ماشككنا أنك تبصرين ، لأنك كنت تتصرفين كالمبصرين وأكثر .

ومرّ الوقت .. وحَمَلْتِ بدورك صغيرتي .. وكم عز علينا ماتقاسينه . وبتنا نفكر في الهم الذي ستتكبدينه بعد الولادة . ورسمنا في مخيلتنا مستقبلك مع الحياة الجديدة ، ومآل صغارك . وكم تساءلنا كيف ستهتمين بمن لا ترين ، وأشفقنا عليك من ذلك .

ثم جاءت ساعة الوضع . فجهزنا سريرك ، وترقبنا وليدك بفارغ صبر . ولكنه أبى إلاّ البقاء ببطنك . وكنا نراك تتعذبين لإخراجه . وكنا نسمع أنينك فتتقطع قلوبنا .. وتلتقي عيوننا بعيونك ، فنذوب من نظراتك المستجدية الحزينة . وأعطيناك الدواء علّ وضعك يسهُل . وبشق الأنفس خرج الأول ميتا .. وتلاه الثاني بعد عناء شديد ، وكان ميتا أيضا .

ولكن .. ماخرجا إلا بعد أن خارت جميع قواك . ومرضت بعد ذلك ، وأحجمت عن الأكل . وصرت تمشين من غير هدى . تقصدين فراشك فتنامين ما شاء الله لك أن تنامي .. ثم تنهضين ، فتؤمين المطبخ وتتوقفين إزاء بابه لحظات قد ترشفين بعدها قطرت من الماء . ثم تجلسين على الحصيرة قرب الدار ، أو تتوقفين وسط الرواق . وهكذا إلى أن جاء ذلك اليوم ، الذي ماتمنينا مجيئه .

موت القطة

نهضتِ صباحا .. واستلقيت كالمغمى عليه قرب باب الغرفة . قم افقت ، وجررت قدميك جرًّا ، لتستلقي بعدها وسط الرواق . فحملناك إلى سريرك ، ولم تلبثي أن غادرته واستلقيت قربه بطريقة لو رآها الصخر لتفتت كمدا وحزنا . فعرفنا أن أيامك باتت قليلة . ووضعناك في فراشك مرة أخرى .. وأخيرة . بدوت لوهلة نائمة كالأطفال .. كنتِ جميلة ، لطيفة وهادئة . وحسبناك نائمة .. وقد كنتِ نائمة فعلا .. ولكن نوما أبديا ، نوما لا يقظة بعده .

رحلتِ -زيزي – من دون أن تقولي وداعا . وربما شق عليك ذلك .. فلحظات الوداع صعبة مريرة . وحثونا التراب عليك ، وكان ذلك أشد ما يكون علينا . وحتى بعد ذهابك ، لا نزال بين الحين والآخر نتخيل طيفك الجميل في الأرجاء.

وأفكّر أحيانا كيف كان شعورك وأنت تغادرين عالما لم تريه . و أتساءل فعلا كيف كانت نظرتك لمحيطك . كيف كنت تحسين وأنت تعيشين مع من لا ترين . كيف كنت تتخيليننا ، وكيف تشعرين تجاهننا .

أنظر إلى تلك البقعة “زيزي” ، فأتمثلك أمامي ..

وأراك وانت تلعبين مع إخوتك في سطح الدار ، وفي الحديقة . أراك وانت تتسلقين أشجارها ، وتقضمين كل غصن تصادفينه . أتذكرك وأنت تأكلين أوراق تلك الزهرة ، فلا تُبقين منها شيئا . ونبعدها عن ناظريك .. ونغير مكانها كي لا تجديها . ولكنك تجدينها من دون عناء وتأكلين ماتبقى منها . أتذكرك وأنت تحاولين تسلق النافذة كإخوتك ، والخروج إلى الحديقة عبرها فلا تستطيعين ، حتى وضعنا لك لوحا ليكون لك السلم والطريق .

أتذكرك .. وأنت تحاولين صعود “القرميد” فتفلحين أحيانا . ولكنك لا تستطيعين النزول عنه ، فنأتيك لننزلك ، ونؤنبك علّك تتعظين . ولكنك تعيدين الكَرّة ، كأنما يحلو لك أن نطاردك .

وأتذكرك وأنت تستيقظبن من النّوم صباحا . فإن لم تجدي الطعام غضبت ، وقلبت المتزل راسا على عقب . حتى إذا ما وُضع طعامك ، أبيت إلا أن تأكلي وحدك في صحن خاص . فنُبعِد البقية حتى تفرغي منه .. فإذا فرغت عدت إلى الفراش وغططت في نوم عميق.

أتذكرك وأنت تكبرين فتصيرين “دُبًّا” أو كالدب حجما . وأراك وانت تأبين النوم مساءا حتى يحملك أحد على كتفيه ، ويدور بك قليلا . حتى إذا اكتفيت نِمْت في فراشك .

وأتذكرك في كل لحظة قضيتها معنا ..

وأراك الآن وقد وُسِّدت اللحد ، وتركت في بيتنا فراغا لا يملؤة إلاك ..

فنامي في سلام صغيرتي .. نامي في قلوبنا إلى الأبد ..

هذه قطتي ، وهذه قصتها ، قد يعجب البعض وينكر علي حزني على قطة بدلها آلاف في نظرهم . و كثيرا ما قرأت عتاب ولوم الكثيرين إذا تلمسوا حزن أحد على قط مات أو أي حيوان قضى ، ويرون أنه من الافضل أن يبكو آلام الناس الموجوعة في بقاع الأرض . وأنا أقدر آراءهم ، فسبق أن رأيت الكثير من أشرطة الفيديو خاصة للغرب في اهتمامهم المبالغ بالكلاب مثلا ، يصرف عليها الملايين ، في حين يتقلب إخوانهم في الإنسانية جوعا وفقرا ومرضا ومامن مهتم . لكني لا أنقد أبدا أن يكون أحدنا حساسا ، حتى لو على قط أوعصفور ، وكوننا نحزن على حيوان ألفناه ، ونبكي فقده ، لا يعني أننا لا نبكي على أخينا الإنسان ، ولا نحزن له . العزيز عزيز مهما كان جنسه وكيانه .. حتى لو كان شيئا ! نحن نحزن لفقد الأشياء لما يربطنا فيها من ذكريات ، وما تثيره فينا من شجون ..

و القطط كائنات لطيفة ، ووجودها بيننا وكجزء من حياتنا يُضفي عليها رونقا وجمالا ومتعة . عشت مع القطط منذ نعومة أظفاري وقلّما خلا بيتنا من إحداها . وأذكر عندما غيّرنا مكان سكننا أول مرة ، شعرنا بفراغ كبير لعدم وجود قطة فيه تؤنسنا ، وتُحَلّي جوّنا .. فأحضرنا اثنتين وتعهدناهما بالرعاية ، واستمرت القطط بالتوالد والتكاثر حتى صار عندنا منها الكثير والكثير ، حتى اضطررنا لتقديم بعضها لأحد الأصدقاء لأن عددها صار كبيرا وضاق بها المقام في المنزل . إلى أن ربينا أكثر من ثلاثين قطة بين ذكر وأنثى ، وصغير وكبير ، وفقدنا منها الكثير إما موتا ، أوضياعا ، منها من نعرف مثواه ، ومنها من لا ندري أين متقلبه ومنتهاه .. وكم بكيت ساعات الفراق .. واشتقت كل الاشتياق .. وكتبت فيها الشعر والنثر على السواء . ومما كتبته في هذه القطة الضريرة “المبصرة” :

لهفي عليك وقد طــــــواكِ حجـــــاب         وثواك قبرٌ.. واحتــــــواكِ تـــراب

لهفي على من وُسِّدت هذا الثـــــرى         وغشاها عن هذا الوجود نقـــاب

لا أدري هل أبكيكِ كلما شـــــدَّني         لكِ شوق قلبٍ أو دعاكِ صحــابُ

أو هل أقول أرَحْتِ من ذاك الشقا         ولقد دَهَتْكِ مواجـــــعٌ وعـــذاب

كم ذا شَدَدْتُ العَيْـــــنَ عن عبراتها‏          وأنـــا أراكِ .. وداؤك الغــــلاَّب

ولقد حبستُ دمــــــوعَ قلبيَ عِندما           أزف الرَّحيل وودَّعَ الأحبـــابُ

قد كنتِ أمس هنــــــا ببيتيَ وردةً           فلِمَا رضيتِ بأن يطولَ غيـــــابُ

تبكي عليــــــكِ نُبَيْــــــتةٌ أحببتــِــــها           وينوحكِ الخـــــلاَّن والأتـــرابُ

إنّــــــــي أراكِ بكــــــلِّ زاويةٍ هنــا            وبكلِّ ركنٍ يرتئي لي ســـــراب

قد كان أمـــــس فضاؤك مترامــيا‏            واليوم قد ضاقت عليكِ رحاب

يَامَنْ خرجت إلى الحيـــــاة ضريرةً            قد حقَّ فيكِ الفخرُ والإعجــابُ

قد عشتِ عيشة مبصرٍ .. لم تثنـك            الأزمات،لم تُحْبِطْ قواك صعاب

ولقد رأيتُك تكبرين وصــــرتِ لي            كالورد فيه  نضــــارة ٌ وشبــاب

شذى   ذكرياتك   عابقٌ  لو نسمةٌ            حَمَلَتْهُ   لِي   والذكريات عِـذاب

دمعي   عليكِ   إذا دخلتُ فناءنا            ولا يَنْزُ حولي طيِفك الوثاب

دمعي عليكِ إذا الجميعُ  مزاحمٌ             حول الطعامِ ولا يُرى لك نـابُ

أبكي عليك إذا الربيــــعُ أتى هنـا             وإليكِ   أعوزَ   حُسْنُه الخـلاَّب

أبكي عليك  إذا  البقية  أقبلــــوا             نحو  الفراش  ومنتهـــــاكِ تراب

أبكي عليك صغيــرتي والحزن قد             غمر الفـــــؤاد ودمعــــه منساب

سأظل أذكرك هــــريرتي دائمـــا              لـــن يطـــوِ ذكراك بقلبــي كتاب

بواسطة
manzili.lfe
اظهر المزيد

آفاق

ماستر ومهندسة في الإعلام الآلي والبرمجيات .كاتبة و شاعرة مبتدئة . أحب كتابة الخواطر ، مهتمة بتربية الطفل وعالمه الواسع . أحب الكتاب أيا كان موضوعها ومجالها .

مقالات ذات صلة

نورتنا بزيارتك، فلا تحرمنا من آرائك وتعليقاتك ...

زر الذهاب إلى الأعلى