شعرمنوعات

من روائع الشعر (2)

كم تحتاج أمتنا لصوت ناصح صارم ، يوقظها من غفلتها ، ويصفعها بيده الحانية الحازمة كي تفيق من سباتها ، قبل أن تسبقه يد الدهر فتصفعها صفعة أليمة موجعة ، لا يزول أثرها ، ولا يُنسى وجعها . تبادرت إلى ذهني هذه الكلمات و هذه الخواطر لما قرأت شعر لقيط بن يعمر ، الذي كان كاتبا في دوواين كسرى ، لما تناهى إلى مسامعه خبر عن عزم كسرى على غزو قومه إياد ، كتب كتابا إلى قومه منبها وناصحا علّهم يصحون قبل أن تُدك الحصون . و القصيدة طويلة مطلعها :

يَا  دَارَ  عَمْرَةَ  مِنْ  مُحْتَلِّهَا  الْجَرَعَا        هَاجَتْ لِيَ الْهَمَّ  وَالْأَحْزَانَ  وَالْوَجَعَا

وأكثر بيت ترسخ في ذهني وقلبي ، ورأيته يصلح لأقوامنا وشعوبنا النائمة قوله :

مَا   لِي   أَرَاكُمْ   نِيَامًا   فِي   بُلَهْنِيَةٍ        وَقَدْ تَرَوْنَ شِهَابَ الْحَرْبِ قَدْ  سَطَعَا

ومن القصيدة قوله :

أَبْلِغْ   إِيَادًا   وَخَلِّلْ    فِي    سَرَاتِهُمُ        إِنِّي أَرَى الرَّأْيَ إِنْ لَمْ أُعْصَ قَدْ نَصَعَا
يَا لَهْفَ  نَفْسِيَ  أَنْ  كَانَتْ  أُمُورُكُمُ        شَتَّى  وَأُحْكِمَ  أَمْرُ  النَّاسِ   فَاجْتَمَعَا
أَلاَ   تَخَافُونَ   قَوْمًا   لاَ   أَبَا    لَكُمُ        أَمْسَوْا  إِلَيْكُمْ  كَأَمْثَالِ  الدَّبَا   سُرُعَا
أَبْنَاءُ   قَوْمٍ   تَآوَوْكُمْ    عَلَى    حَنَقٍ        لاَ   يَشْعُرُونَ   أَضَرَّ   اللَّهُ   أَمْ   نَفَعَا
أَحْرَارُ   فَارِسَ   أَبْنَاءُ   الْمُلُوكِ   لَهُمْ        مِنَ الْجُمُوعِ  جُمُوعٌ  تَزْدَهِي  الْقَلَعَا
فَهُمْ   سِرَاعٌ   إِلَيْكُمْ    بَيْنَ    مُلْتَقِطٍ        شَوْكًا وَآخَرَ يَجْنِي الصَّابَ  وَالسَّلَعَا
لَوْ    أَنَّ    جَمْعَهُمُ    رَامُوا    بِهَدَّتِهِ        شُمَّ الشَّمَارِيخِ  مِنْ  ثَهْلاَنَ  لانْصَدَعَا
فِي  كُلِّ  يَوْمٍ  يَسُنُّونَ  الحِرَابَ  لَكُمْ        لاَ  يَهْجَعُونَ  إِذَا  مَا   غَافِلٌ   هَجَعَا
خُزْرٌ     عُيُونُهُمُ     كَأَنَّ     لَحْظَهُمُ        حَرِيقُ  نَارٍ  تَرَى   مِنْهُ   السَّنَا   قِطَعَا
لاَ الْحَرْثُ يَشْغَلُهُمْ بَلْ لاَ  يَرَوْنَ  لَهُمْ        مِنْ  دُونِ  بَيْضَتِكُمْ  رِيًّا   وَلاَ   شِبَعَا
وَأَنْتُمُ  تَحْرُثُونَ  الْأَرْضَ  عَنْ  عَرَضٍ        فِي   كُلِّ   مُعْتَمَلٍ   تَبْغُونَ   مُزْدَرَعَا
وَتُلْحِقُونَ    حِيَالَ    الشَّوْلِ     آوِنَةً        وَتُنْتِجُونَ    بِذَاتِ    الْقَلْعَةِ     الرُّبُعَا
وَتَلْبَسُونَ    ثِيَابَ    الْأَمْنِ     ضَاحِيَةً        لاَ تَفْزَعُونَ  وَهَذَا  اللَّيْثُ  قَدْ  جَمَعَا
أَنْتُمْ   فَرِيقَانِ   هَذَا   لاَ    يَقُومُ    لَهُ        هَصْرُ  اللُّيُوثِ  وَهَذَا  هَالِكٌ   صَقَعَا
وَقَدْ   أَظَلَّكُمُ   مِنْ   شَطْرِ    ثَغْرِكُمُ        هَوْلٌ   لَهُ    ظُلَمٌ    تَغْشَاكُمُ    قِطَعَا
مَا   لِي   أَرَاكُمْ   نِيَامًا   فِي   بُلَهْنِيَةٍ        وَقَدْ تَرَوْنَ شِهَابَ الْحَرْبِ قَدْ  سَطَعَا
فَاشْفُوا  غَلِيلِي  بِرَأْيٍ  مِنْكُمُ   حَسَنٍ        يُضْحِي  فُؤَادِي  لَهُ  رَيَّانَ   قَدْ   نَقَعَا
وَلاَ  تَكُونُوا  كَمَنْ  قَدْ  بَاتَ  مُكْتَنِعًا        إِذَا   يُقَالُ   لَهُ   افْرُجْ   غَمَّةً    كَنَعَا
قُومُوا  قِيَامًا  عَلَى  أَمْشَاطِ  أَرْجُلِكُمْ        ثُمَّ افْزَعُوا  قَدْ  يَنَالُ  الْأَمْرَ  مَنْ  فَزِعَا
صُونُوا  خُيُولَكُمُ   وَاجْلُوا   سُيُوفَكُمُ        وَجَدِّدُوا   لِلْقِسِيِّ   النَّبْلَ    وَالشِّرَعَا
وَاشْرَوْا تِلاَدَكُمُ  فِي  حِرْزِ  أَنْفُسِكُمْ        وَحِرْزِ  نِسْوَتِكُمْ   لاَ   تَهْلِكُوا   هَلَعَا
وَلاَ   يَدَعْ   بَعْضُكُمْ   بَعْضًا    لِنَائِبَةٍ        كَمَا  تَرَكْتُمْ   بِأَعْلَى   بِيشَةَ   النَّخَعَا
أَذْكُوا الْعُيُونَ وَرَاءَ السَّرْحِ وَاحْتَرِسُوا        حَتَّى تُرَى الْخَيْلُ  مِنْ  تَعْدَائِهَا  رُجُعَا
فَإِنْ   غُلِبْتُمْ   عَلَى   ضِنٍّ    بِدَارِكُمُ        فَقَدْ    لَقِيتُمْ    بِأَمْرٍ    حَازِمٍ    فَزَعَا
لاَ  تُلْهِكُمْ  إِبِلٌ   لَيْسَتْ   لَكُمْ   إِبِلٌ        إِنَّ    الْعَدُوَّ    بِعَظْمٍ    مِنْكُمُ    قَرَعَا
هَيْهَاتَ  لاَ  مَالَ  مِنْ  زَرْعٍ  وَلاَ  إِبِلٍ        يُرْجَى  لِغَابِرِكُمْ  إِنْ  أَنْفُكُمْ   جُدِعَا
لاَ   تُثْمِرُوا   الْمَالَ   لِلْأَعْدَاءِ    إنَّهُمُ        إِنْ  يَظْفَرُوا  يَحْتَوُوكُمْ  وَالتِّلاَدَ   مَعَا
وَاللَّهِ  مَا  انْفَكَّتِ  الْأَمْوَالُ  مُذْ   أَبَدٍ        لِأَهْلِهَا    إِنْ    أُصِيبُوا    مَرَّةً     تَبَعَا
ياَ  قَوْمِ  إِنَّ  لَكُمْ  مِنْ  إِرْثِ   أَوَّلِكُمْ        عِزًّا قَدْ  أَشْفَقْتُ  أَنْ  يُودَى  فَيَنْقَطِعَا
مَاذَا   يَرُدُّ    عَلَيْكُمْ    عِزُّ    أَوَّلِكُمْ        إِنْ  ضَاعَ  آخِرُهُ   أَوْ   ذَلَّ   واتَّضَعَا
وَلاَ    يَغُرَّنَّكُمْ    دُنْيَا    وَلَا     طَمَعٌ        لَنْ   تَنْعَشُوا   بِزِمَاعٍ   ذَلِكَ   الطَّمَعَا
يَا  قَوْمِ   بَيْضَتُكُمْ   لاَ   تُفْجَعُنَّ   بِهَا        إِنِّي  أَخَافُ  عَلَيْهَا  الْأَزْلَمَ   الْجَذِعَا
يَا  قَوْمِ  لاَ  تَأْمَنُوا   إِنْ   كُنْتُمُ   غُيُرًا        عَلَى  نِسَائِكُمُ  كِسْرَى  وَمَا   جَمَعَا
هُوَ   الْجَلاَءُ   الَّذِي    تَبْقَى    مَذَلَّتُهُ        إِنْ  طَارَ  طَائِرُكُمْ  يَوْمًا   وَإِنْ   وَقَعَا
هُوَ  الْفَنَاءُ   الَّذِي   يَجْتَثُّ   أَصْلَكُمُ        فَشَمِّرُوا  وَاسْتَعِدُّوا   لِلْحُرُوبِ   مَعَا
وَقَلِّدُوا     أَمْرَكُمْ      لِلَّهِ      دَرُّكُمُ        رَحْبَ الذِّرَاعِ بِأَمْرِ الْحَرْبِ مُضْطَلِعَا
لاَ  مُتْرَفًا  إِنْ  رَخَاءُ  الْعَيْشِ  سَاعَدَهُ        وَلاَ  إِذَا  عَضَّ   مَكُرُوهٌ   بِهِ   خَشَعَا
لاَ   يَطْعَمُ   النَّومَ   إِلاَّ   رَيْثَ    يَبْعَثُهُ        هَمٌّ   يَكَادُ   أَذَاهُ    يَحْطِمُ    الضِّلَعَا
مُسَهَّدَ     النَّوْمِ     تَعْنِيهِ      أُمُورُكُمُ        يَؤُمُّ   مِنْهَا    إِلَى    الْأَعْدَاءِ    مُطَّلِعَا
مَا  زَالَ  يَحْلُبُ  دَرَّ  الدَّهْرِ  أَشْطُرَهُ        يَكُونُ      مُتَّبِعًا      يَوْمًا       وَمُتَّبَعَا
وَلَيْسَ      يَشْغَلُهُ      مَالٌ      يُثَمِّرُهُ        عَنْكُمْ  وَلاَ   وَلَدٌ   يَبْغِي   لَهُ   الرِّفَعَا
حَتَّى  اسْتَمَرَّتْ  عَلَى  شَزْرٍ   مَرِيرَتُهُ        مُسْتَحْكِمَ السِّنِّ لاَ قَمْحًا وَلاَ  ضِرَعَا
كَمَالِكِ   بْنِ   قَنَانٍ   أَوْ    كَصَاحِبِهِ        زَيْدِ  الْقَنَا  يَوْمَ  لاَقَى  الْحَارِثَيْنِ   مَعَا
إِذْ   عَابَهُ   عَائِبٌ   يَوْمًا   فَقَالَ    لَهُ        دَمِّثْ  لِنَفْسِكَ  قَبْلَ  الْيَوْمِ  مُضْطَجَعَا
فَسَاوَرُوهُ     فَأَلْفَوْهُ     أَخَا      عِلَلٍ        فِي الْحَرْبِ  يَحْتَبِلُ  الرِّئْبَالَ  وَالسَّبُعَا
مُسْتَنْجِدًا   يَتَحَدَّى    النَّاسَ    كُلَّهُمُ        لَوْ قَارَعَ النَّاسَ  عَنْ  أَحْسَابِهِمْ  قَرَعَا

ثم ختم كلامه بدعوتهم إلى الاستيقاظ من غفوتهم الطويلة ، ويفتحوا أعينهم على الواقع :

هَذَا   كِتَابِي   إِلَيْكُمْ   وَالنَّذِيرُ   لَكُمْ        فَمَنْ رَأَى  مِثْلَ  ذَا  رَأْيًا  وَمَنْ  سَمِعَا
لَقَدْ بَذَلْتُ  لَكُمْ  نُصْحِي  بِلاَ  دَخَلٍ        فَاسْتَيْقِظُوا  إِنَّ  خَيْرَ  الْقَوْلِ  مَا  نَفَعَا

ومن جنس هذا الشعر ماكتبه نصر بن سيار الكناني في أواخر أيام الدولة الأموية ، لما رأى بعض الشرارات التي تنبئ باستعار نار حارقة ، ستأتي إن لم تُخمد في بدايتها على الأخضر واليابس ، وتدفع بالدولة إلى الزوال والاضمحلال . وقد كتب هذا الشعر لآخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد منذرا ومحذرا :

أرى تحت الرماد وميض جمر ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النـــــار بالعودين تُذكــى وإن الحـــرب مبدؤها كلام
فإن لم يطفها عقلاء قـــــــوم يكون وقودها جثث وهـــام
فقلت من التعجب ليت شعري أأيقاظ أميـــــة أم نيــــــــام
فإن يقظت فذاك بقاءُ مُلــــــكٍ وإن رقدت فانـــــي لا أُلام
فإن يك أصبحوا وثووا نيامــاً فقل قوموا فقد حان القيــام
ففرّي عن رحالك ثم قولــــي على الإسلام والعرب السلام

و من الشعر الذي أجد فيه جمالا وقوة وبلاغة وحكمة ، شعر زهير بن سلمى ، وقد قرأت له بيتا أحببته لمعناه وهو من قصيدته التي استهلها بقوله:

إِنَّ الخَليطَ أَجَدَّ البَينَ فَاِنفَرَقاوَعُلِّقَ القَلبُ مِن أَسماءَ ما عَلِقا

والبيت هو ختام القصيدة :

لَو نالَ حَيٌّ مِنَ الدُنيا بِمَنزِلَةٍأُفقَ السَماءِ لَنالَت كَفُّهُ الأُفُقا

ومن روائع ماقال قصيدته ” ألا ليت شعري ” وأجمل أبياتها – حسب رأيي – :

أَلا لَيتَ شِعري هَل يَرى الناسُ ما أَرى مِنَ الأَمرِ أَو يَبدو لَهُم ما بَدا لِيا
بَدا لِيَ أَنَّ اللَهَ حَقٌّ فَزادَني إِلى الحَقِّ تَقوى اللَهِ ما كانَ بادِيا
بَدا لِيَ أَنَّ الناسَ تَفنى نُفوسُهُم وَأَموالُهُم وَلا أَرى الدَهرَ فانِيا
وَأَنّي مَتى أَهبِط مِنَ الأَرضِ تَلعَةً أَجِد أَثَراً قَبلي جَديداً وَعافِيا
أَراني إِذا ما بِتُّ بِتُّ عَلى هَوىً وَأَنّي إِذا أَصبَحتُ أَصبَحتُ غادِيا
إِلى حُفرَةٍ أُهدى إِلَيها مُقيمَةٍ يَحُثُّ إِلَيها سائِقٌ مِن وَرائِيا
كَأَنّي وَقَد خَلَّفتُ تِسعينَ حِجَّةً خَلَعتُ بِها عَن مَنكِبَيَّ رِدائِيا
بَدا لِيَ أَنّي لَستُ مُدرِكَ ما مَضى وَلا سابِقاً شَيئاً إِذا كانَ جائِيا
أَراني إِذا ما شِئتُ لاقَيتُ آيَةً تُذَكِّرُني بَعضَ الَّذي كُنتُ ناسِيا
وَما إِن أَرى نَفسي تَقيها كَريهَتي وَما إِن تَقي نَفسي كَرائِمُ مالِيا
أَلا لا أَرى عَلى الحَوادِثِ باقِيا وَلا خالِداً إِلّا الجِبالَ الرَواسِيا
وَإِلّا السَماءَ وَالبِلادَ وَرَبَّنا وَأَيّامَنا مَعدودَةً وَاللَيالِيا

ومن قصيدته التي مطلعها :

لِسَلمى بِشَرقِيِّ القَنانِ مَنازِلُ وَرَسمٌ بِصَحراءِ اللُبَيَّينِ حائِلُ

أعجبني آخر بيتين وهما قوله :

وَلَيسَ لِمَن لَم يَركَبِ الهَولَ بُغيَةٌ وَلَيسَ لِرَحلٍ حَطَّهُ اللَهُ حامِلُ
إِذا أَنتَ لَم تُقصِر عَنِ الجَهلِ وَالخَنا أَصَبتَ حَليماً أَو أَصابَكَ جاهِلُ

ولا يباعده في بلاغة القول ، وجمال المعنى ، ورقة اللفظ ، وقوة السبك ، ابنه كعب بن زهير ، الذي أجاد وأبدع في قصيدته التي تقدم بها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكساه بعدها بردته الشريفة ، وهي “بانت سعاد ” . ومن أجمل ماجاء فيها قوله مذكرا بمآل كل حيّ ، مهما طال به العمر ، وأثمر له السعي :

فَقُلتُ خَلّوا طَريقي لا أَبا لَكُمُ فَكُلُّ ما قَدَّرَ الرَحمَنُ مَفعولُ
كُلُ اِبنِ أُنثى وَإِن طالَت سَلامَتُهُ يَوماً عَلى آلَةٍ حَدباءَ مَحمولُ

ثم تابع أبياته معتذرا للرسول صلى الله عليه وسلم ، ومستعطفا ، وطالبا للصفح من الحبيب :

أُنبِئتُ أَنَّ رَسولَ اللَهِ أَوعَدَني وَالعَفُوُ عِندَ رَسولِ اللَهِ مَأمولُ
مَهلاً هَداكَ الَّذي أَعطاكَ نافِلَةَ ال قُرآنِ فيها مَواعيظٌ وَتَفصيلُ
لا تَأَخُذَنّي بِأَقوالِ الوُشاةِ وَلَم أُذِنب وَلَو كَثُرَت عَنّي الأَقاويلُ

ثم يصف عظيم هيبته صلى الله عليه وسلم ، وعظمة نفسه و جلال قدره :

لَقَد أَقومُ مَقاماً لَو يَقومُ بِهِ أَرى وَأَسمَعُ ما لَو يَسمَعُ الفيلُ
لَظَلَّ يُرعَدُ إِلّا أَن يَكونَ لَهُ مِنَ الرَسولِ بِإِذنِ اللَهِ تَنويلُ
مازِلتُ أَقتَطِعُ البَيداءَ مُدَّرِعاً جُنحَ الظَلامِ وَثَوبُ اللَيلِ مَسبولُ
حَتّى وَضَعتُ يَميني لا أُنازِعُهُ في كَفِّ ذي نَقِماتٍ قيلُهُ القيلُ
لَذاكَ أَهَيبُ عِندي إِذ أُكَلِّمُهُ وَقيلَ إِنَّكَ مَسبورٌ وَمَسؤولُ
مِن ضَيغَمٍ مِن ضِراءَ الأُسدِ مُخدِرَةً بِبَطنِ عَثَّرَ غيلٌ دونَهُ غيلُ

وبعدها ينطلق لسانه بمدح خير الخلق ، إمام المرسلين ، حبيب المسلمين ، بكلمات حلوة ، وصفات عذبة ، لا تليق إلا له ، ولا تصح إلا لشخصه العظيم :

إن الرسول لنور يستضاء به مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللَهِ مَسلولُ

ويتبعها بمدح صحابته من المهاجرين :

في عُصبَةٍ مِن قُرَيشٍ قالَ قائِلُهُم بِبَطنِ مَكَّةَ لَمّا أَسَلَموا زولوا
زَالوا فَمازالَ أَنكاسٌ وَلا كُشُفٌ عِندَ اللِقاءِ وَلا ميلٌ مَعازيلُ
شُمُّ العَرانينِ أَبطالٌ لَبوسُهُمُ مِن نَسجِ داوُدَ في الهَيجا سَرابيلُ
بيضٌ سَوابِغُ قَد شُكَّت لَها حَلَقٌ كَأَنَّها حَلَقُ القَفعاءِ مَجدولُ
يَمشون مَشيَ الجِمالِ الزُهرِ يَعصِمُهُم ضَربٌ إِذا عَرَّدَ السودُ التَنابيلُ
لا يَفرَحونَ إِذا نالَت رِماحُهُمُ قَوماً وَلَيسوا مَجازيعاً إِذا نيلوا
لا يَقَعُ الطَعنُ إِلّا في نُحورِهِمُ ما إِن لَهُم عَن حِياضِ المَوتِ تَهليلُ

ومن كعب ين زهير ، إلى شاعر الرسول حسان بن ثابت ، الذي نذر لسانه وبيانه لنصرة الإسلام ، والرد على ألسنة المشركين الظلام ، وكانت كلماته أشد من طعنة الحسام ، ومن ضرب السهام . وكان يرمي فلا يخطئ الهدف ، ويجيد القول ويحسن الوصف . و من روائعه كلماته العذبة المؤثرة ، التي أنشدها قلبه قبل لسانه ، وصاغها بدموع جنانه ، حين رثى الحبيب صلى الله عليه وسلم ، وبكى مصاب الكون فيه :

بَطَيبَةَ رَسمٌ لِلرَسولِ وَمَعهَدُ مُنيرٌ وَقَد تَعفو الرُسومُ وَتَهمَدِ
وَلا تَمتَحي الآياتُ مِن دارِ حُرمَةٍ بِها مِنبَرُ الهادي الَذي كانَ يَصعَدُ
وَواضِحُ آثارٍ وَباقي مَعالِمٍ وَرَبعٌ لَهُ فيهِ مُصَلّى وَمَسجِدُ
بِها حُجُراتٌ كانَ يَنزِلُ وَسطَها مِنَ اللَهِ نورٌ يُستَضاءُ وَيوقَدُ
مَعارِفُ لَم تُطمَس عَلى العَهدِ آيُها أَتاها البِلى فَالآيُ مِنها تُجَدَّدُ
عَرِفتُ بِها رَسمَ الرَسولِ وَعَهدَهُ وَقَبراً بِها واراهُ في التُربِ مُلحِدُ

حَقَّ للعيون أن تبكي فلا يرقأ دمعها ، ولا يذهب حزنها ، وحَقَّ لها أن تجود بالعبرات ، وأن تطلق الشهقات ، ففقيدها اليوم فريد ، ومامثله أبد الدهر فقيد ، اليوم وُورِيَ النبراس ، ودُفِن الطهر وسراج النور . وكل مصاب بعد فقده يهون :

فَبَكّي رَسولَ اللَهِ يا عَينُ عَبرَةً وَلا أَعرِفَنكِ الدَهرَ دَمعَكِ يَجمَدُ
فَجودي عَلَيهِ بِالدُموعِ وَأَعوِلي لِفَقدِ الَذي لا مِثلُهُ الدَهرُ يوجَدُ
وَما فَقَدَ الماضونَ مِثلَ مُحَمَّدٍ وَلا مِثلُهُ حَتّى القِيامَةِ يُفقَدُ

وإن كان الأولون قد نبغوا في الشعر ، وأبدعوا في القول . ففي المتأخرين خير كثير ، وحسن أثير ، وعطاء غزير . ومن أجمل ماقرأت لهم قول شوقي يصف مصاب دمشق ، ويرسل سلامه لربوعها الفيحاء ، ويبكي نكبتها وفاجعتها ، بكلام رقيق ، وإحساس عميق :

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ

ويصف رحابها الغناء ، وأرضها المعطاء :

دَخَلتُكِ وَالأَصيلُ لَهُ اِئتِلاقٌ وَوَجهُكِ ضاحِكُ القَسَماتِ طَلقُ
وَتَحتَ جِنانِكِ الأَنهارُ تَجري وَمِلءُ رُباكِ أَوراقٌ وَوُرْقُ

ثم ينعى التاريخ ومهد الحضارة ، ودار الإمارة :

وَقيلَ مَعالِمُ التاريخِ دُكَّتْ وَقيلَ أَصابَها تَلَفٌ وَحَرقُ
أَلَستِ دِمَشقُ لِلإِسلامِ ظِئرًا وَمُرضِعَةُ الأُبُوَّةِ لا تُعَقُّ
وَكُلُّ حَضارَةٍ في الأَرضِ طالَتْ وَأَرضُكِ مِن حُلى التاريخِ رَقُّ

ويصف هول ما جرى في آفاقها ، ومصابها في حرائرها ، ويقر أن للمستعمر قلبا من حجر ، وقد يرق الصخر ويتفطر ، وقلوب المستعمرين لاتتأثر :

إِذا عَصَفَ الحَديدُ احمَرَّ أُفقٌ عَلى جَنَباتِهِ وَاسوَدَّ أُفقُ
سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ أَبَينَ فُؤادِهِ وَالصَخرِ فَرقُ
وَلِلمُستَعمِرينَ وَإِن أَلانوا قُلوبٌ كَالحِجارَةِ لا تَرِقُّ

“كلنا في الهم شرق” ، الدين واحد ، واللسان واحد ، والقلب واحد ، والهم واحد :

نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ دارًا وَلَكِن كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ
وَيَجمَعُنا إِذا اختَلَفَت بِلادٌ بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطقُ

وما أجمل بيته الشهير ، وهو يقر أن الحرية لا تأتي على السرير الوثير ، ولا فرش الحرير ، ولا بلسان يلعلع من غير فعل ، ولا بالسلم الكاذب أو زخارف القول ، بل بالنضال ، واقتحام ساحات القتال :

وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ

ومن بديع شعره ، وجميل قوله ما جاء في قصديته الشهيرة “قم للمعلم وفه التبجيلا” ، ومن أجمل مافيها قوله :

وإذا المعلّمُ لم يكـنْ عدلاً مشىروح العدالة في الشباب ضئيلا
وإذا المعلم ساء لحظ بصيرةقامت على يده البصائر حولا
وإذا أتى الإرشادُ من سببِ الهوى ومن الغرور ِ فسَمِّهِ التضـليلا
وإذا أصيـبَ القومُ في أخلاقِـهمْ فأقـمْ عليهـم مأتماً وعـويلا
وإذا النسـاءُ نشـأنَ في أُمّـيَّةٍ رضـعَ الرجالُ جهالةً وخمولا
ليـسَ اليتيمُ من انتهى أبواهُ من هـمِّ الحـياةِ ، وخلّفاهُ ذليـلا
فأصـابَ بالدنيـا الحكيمـة منهما وبحُسْنِ تربيـةِ الزمـانِ بديـلا
إنَّ اليتيمَ هـوَ الذي تلقـى لَـهُ أمّاً تخلّـتْ أو أبَاً مشغـولا

من الأشعار التي تركت في نفسي أثرا ، وأيقظت في نفسي أجمل الذكريات ، وأرق الأحاسيس ، شعر “الشابي” عن جنته الضائعة ، وطفولته المفقودة ، ومن منا لم يحن إلى أيامها النضرة ، وذكرياتها العطرة :

كَمْ من عُهودٍ عذبةٍ في عَدْوة الوادي النضيـر
فِضِّيّـةِ الأسحار مُذْهَبَةِ الأصائل والبكـــــورْ
كانت أرقّ من الزهور, ومن أغاريد الطيور
وألذّ من سحر الصِّبا في بَسمة الطفل الغرير
أيـام كانت للحياة حلاوة الروض المطيــــــرْ
وطهارةُ الموج الجميل, وسِحر شاطئه المنير
ووداعة العصفور, بين جداول الماء النميــرْ
أيامَ لم نَعرف من الدُّنيا سـوى مَرَحِ السُّرور
وتَتَبُّعِ النَّحْل الأنيق وقَطْفِ تيجـــان الزهورْ
وتسلُّقِ الجبلِ المكلّل بالصّنَوْبَر والصخــورْ
وبناءِ أكواخِ الطفولة تحت أعشاش الطيـورْ
مسقوفةً بالورد, والأعشاب والورق النضير
نبني, فتهدمها الرياحُ, فلا نضجُّ ولا نثـــورْ

ونعودُ نضحكُ للمروج, وللزنـــــابقِ, والغديـــــرْ
ونعيد أغنية السواقـــي , وهي تلغــــو بالخريـــرْ
ونظل ننثرُ للفضــــــاء الرّحْبِ, والنهــــرِ الكبيرْ
ونظل نقفــــز, أو نُثَرْثِرُ أو نغنِّـــــــــي, أو ندورْ
لا نسأم اللهوَ الجميـــلَ, وليس يدركنا الفتــــــورْ
فكأنّنـا نحيا بأعصـــابٍ من المَـــــرحِ المُثِيــــــرْ
وكأننـا نمشــــي بـأقدامٍ مجنَّحـــــــــةٍ, تطيـــــــرْ
أيـام كنـا لُبَّ هذا الكون, والبــــــــاقي قشــــــورْ
أيـام تفرشُ سُبْلنا الدنيــــــا بأوراق الزهــــــــورْ
وتمـرُّ أيـامُ الحياة بنا, كأســــــراب الطُّيــــــــورْ
وتُرَفْرف الأفراحُ فوق رؤوســـنا أنَّى نسيـــــــرْ
آهٍ! توارى فَجْرِيَ القدُسيُّ فـــــي ليل الدهــــــورْ
أوّاهُ, قد ضاعت عليَّ سعادةُ القلــــــب الغريــــرْ
وبقيت في وادي الزمان الجهم أدأب في المسيــر
وأدوسُ أشواك الحياة بقلبيَ الدّامي الكسيـــــــــرْ
وأرى الأباطيل الكثيـــرةَ, والمآثـــــم, والشـرورْ
وتصادُمَ الأهواء بالأهواء في كل الأمـــــــــــورْ
ومَذَلّةَ الحقِّ الضعيفِ, وعزّةَ الظلــــم القديـــــرْ!
ماذا جنيتُ من الحياة ومن تجاريب الدُّهـــــــورْ
غـيرَ الندامةِ والأسى واليأس والدمع الغزيـــــر؟
هـذا حَصادي من حقول العالَم الرحـــب الخطير
هذا حَصادي كلُّه, في يقظـة العَهْــــدِ الأخيـــــــرْ
قـد كنتُ في زمن الطفولةِ, و السذاجة و الطهور
أحيا كما تحيا البلابـــــلُ, والجداولُ, والزُّهـــورْ
لا نحفل, الدنيـــــــا تدور بأهلــــــها, أو لا تدورْ
واليومَ أحيا مُرْهَقَ الأعْصاب , مشبوب الشعور
مُتأجِّجَ الإحساسِ, أحفلُ بالعظيم, وبالحقيــــــــرْ
تمشـي على قلبي الحياةُ, ويزحف الكون الكبيـر
هذا مصيري, يا بني, فما أشقى المصيــــــــــرْ!

وأجمل منه ما قاله إيليا أبو ماضي في التفاؤل والأمل ، والبذل والعطاء ، وحب الخير للكل :

كن بلسماً إن صار دهرك أرقما وحلاوة إن صار غيرك علقما
إن الحياة حبتك كلَّ كنوزها لا تبخلنَّ على الحياة ببعض ما ..
أحسنْ وإن لم تجزَ حتى بالثنا أيَّ الجزاء الغيثُ يبغي إن همى ؟
مَنْ ذا يكافئُ زهرةً فواحةً ؟ أو من يثيبُ البلبل المترنما ؟
عُدّ الكرامَ المحسنين وقِسْهُمُ بهما تجدْ هذينِ منهم أكرما
ياصاحِ خُذ علم المحبة عنهما إني وجدتُ الحبَّ علما قيما
لو لم تَفُحْ هذي ، وهذا ما شدا ، عاشتْ مذممةً وعاش مذمما
فاعمل لإسعاد السّوى وهنائهم إن شئت تسعد في الحياة وتنعما
أيقظ شعورك بالمحبة إن غفا لولا الشعور الناس كانوا كالدمى
أحبب فيغدو الكوخ قصرا نيرا وابغض فيمسي الكون سجنا مظلما
ما الكأس لولا الخمر غير زجاجةٍ والمرءُ لولا الحب إلا أعظُما
كرهَ الدجى فاسودّ إلا شهبُهُ بقيتْ لتضحك منه كيف تجهّما
لو تعشق البيداءُ أصبحَ رملُها زهراً، وصارَ سرابُها الخدّاع ما
لو لم يكن في الأرض إلا مبغضٌ لتبرمتْ بوجودِهِ وتبرّما
لاح الجمالُ لذي نُهى فأحبه ورآه ذو جهلٍ فظنّ ورجما
لا تطلبنّ محبةً من جاهلٍ المرءُ ليس يُحَبُّ حتى يُفهما
وارفقْ بأبناء الغباء كأنهم مرضى، فإنّ الجهل شيءٌ كالعمى
والهُ بوردِ الروضِ عن أشواكه وانسَ العقاربَ إن رأيت الأنجما

وأختم مقالي هذا بأبيات لحسان بن ثابت في الشعر :

تَغَنَّ في كُلِّ شِعرٍ أَنتَ قائِلُهُ إِنَّ الغِناءَ لِهَذا الشِعرَ مِضمارُ
يَميزُ مُكفَأَهُ عَنهُ وَيَعزِلُهُ كَما تَميزُ خَبيثَ الفِضَّةِ النارُ

المراجع


  1. ديوان لقيط بن يعمر
  2. ديوان أحمد شوقي
  3. ديوان إيليا أبو ماضي
  4. ديوان الشابي
  5. ديوان كعب بن زهير
  6. ديوان زهير بن ابي سلمي
  7. ديوان حسان بن ثابت
بواسطة
manzili .life
الوسوم
اظهر المزيد

آفاق

ماستر ومهندسة دولة في الإعلام الآلي والبرمجيات وكاتبة

مقالات ذات صلة

نورتنا بزيارتك، فلا تحرمنا من آرائك وتعليقاتك ...

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق