تعليمنا

طالب العلم والتركيز

التركيز في العمل أو طلب العلم شرط ضروري للنجاح والكمال . وبقدر أهميته تبرز صعوبته ، خاصة في عصرنا الحالي حيث تكثر الألهيات والمغريات ، التي تصرف الإنسان لو مال إليها وانشغل بها عن أعماله ودراسته .

المشكلة الأخرى والتي تجعل التركيز صعبا على المرء ، هي كثرة الانشغالات والأعمال – كما يظنها هو على الأقل – فغالبا ما يجد الواحد منا أولوياته قليلة عكس ما كان يظن فور ترتيبها وتنظيمها . فالفوضى في العمل والدراسة وفي الحياة من أخطر وأعظم مفسدات التركيز .

ونظرا لأهمية الموضوع ، قررت كتابة ملخص صغير عن أهم جوانبه ، أهميته ، معيقاته والوسائل المعينة عليه ، حسب كتاب أحمد حسين الرفيعي.

مامعنى التركيز

عملا بمبدأ ” يُعرف الشيء بضده ” ، فسنفهم معنى التركيز انطلاقا من مفهوم التشتت :

و التشتت هو الانشغال بموضوعاتٍ شتَّى . وهو كل مايعيق الانسان عن أهدافه ويشغله عنها .

أهمية التركيز :

الذي يتأمل في النصوص الشرعية ، يجد معنى التركيز كقوله تعالى : ” وابتغ فيما ءاتك الله الدار الاخرة ولاتنس نصيبك من الدنيا “

1.فالحث على السعي للدار الآخرة ويأخذ من الدنيا مايعينه على إكمال المسير .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم :” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه “.رواه الترمذي وابن ماجة

2.العمر قصير قليل من يعمر كثير من يموت في سن الشباب ، فعلى الإنسان أن يسعى لتعمير هذا العمر . وعلى قصر العمر المشاغل كثيرة . وسائل التواصل واستخدام التقنية ، فن التسويق والإعلانات في المواقع ….. من أسباب خطف تركيز العميل والمستهلك .

ولذا يصح أن يطلق على هذا العصر (عصر المشتتات) . و مايزيد خطورتها طبيعتُها ذات النشوة المؤقتة . إذ يستمتع الإنسان بها فترة معينة ثم يتوق للبديل.

3. التركيز يحقق الإبداع والإنتاجية العالية في وقت قصير في أي مجال من الحياة . يقول ابن الجوزي :” من أنفق عصر الشباب في العلم ، فإنه في زمن الشيخوخة يحصد جني ماغرس ، ويلتذ بتصنيف ماجمع ، ولايرى مايفقد من لذات البدن شيئا بالإضافة إلى مايناله من لذات العلم ، هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمل به إدراك المطلوب، وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها ….”

إذا ركز في طلب العلم سيجد الأثر الحميد وسيرى أن حظوظ الدنيا التي ضحى بها لاتساوي شيئا مقابل ما حصله من العلوم والإيمان .

الوسائل المعينة على التركيز :

1. تدبر القرآن والسنة ، فهذا يربط المسلم بالآخرة ، ويعيد الحقائق على قلبه ، فتثبت في قلبه حتى لايغفل .

2.الدعاء لله بقلب صادق أن يجمع الله همه على العلم والخير ، قال ابن القيم :” إن في القلب شعث : لا يلمه إلا الإقبال على الله، وعليه وحشة: لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن : لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق: لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات : لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه ، وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب ، وفيه فاقة: لا يسدها الا محبته ودوام ذكره والاخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدا ..

تأمل هذه المعاني في قول النبي صلى الله عليه وسلم :” من كانت الاخرة همه، جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ،وفرق عليه شمله ،ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له “

3.الإخلاص لله وإصلاح النية .

4.يُعَوِّد الإنسان نفسه ، فالعلم بالتعلم والحلم بالتحلم ، فيعود نفسه على التركيز .

5.أن يضبط الإنسان جواله ويقلل من التواصل الاجتماعي ، فهي نعمة إذا أحسن استخدامها ، وقد تحرق عمره إذا أسرف فيها ، وليلاحظ أنه سيسأل عن هذه الدقائق . ولذا وجب عليه أن :

  • يحدد حاجته للتطبيق
  • يحذف كل ما لايحقق أهدافه ، ويعمل حملة تنظيف لجهازه فيزيل مالا يحتاج .
  • يعمل على مايحقق أهدافه .

6.أن يأخذ الإنسان قدره من الراحة : فينام مايحتاجه على حسب راحة جسمه .

7.المحاسبة اليومية ، ماذا عملت وكيف تستدرك ماحصل من تقصير .

8.مصاحبة أهل التركيز ، فيتأثر الإنسان بمن يحيطه ، ويصاحب من حفظ وقته .

9.أن يكتب الانسان كل مافي باله من إنجازات ، حتى ينجز مهامه ، ويقسمها على الأيام والأسابيع .

10.التركيز على الأولويات ، الأهم فالمهم فالأقل أهمية ، حتى إذا تعارضت يقدم الأكثر الأهمية .

11.يرتب الإنسان المكان الذي حوله فهذا مهم لتركيزه وينعكس على نفسه .

12.التفويض ، فيفوض بعض المهام لغيره فلاتعمل إلا فيما يفرض عليك .

13.التخطيط ، فيخطط الإنسان على مدى السنوات بشكل تقريبي ، فيفصل في برنامجه بسنوي ثم شهري ثم أسبوعي ثم يومي. فينجز حتى يحقق الخطة السنوية في برنامجه العلمي ، وهو من أعظم الوسائل في تحقيق طلبه للعلم .

14.أن يختار الإنسان مايحبه وما يتملك شغاف قلبه حتى لايشعر بالجهد والوقت فيسير بيسر .

15.التضحية ، لن تنجز إنجازا عظيما حتى تركز ولن تركز حتى تضحي .

16.أن يركز على إنجاز برنامجه العلمي فلا يتشتت ولايضيع وقته في الأمور الأخرى ، فيجمع كل همه ووقته على إنجاز هذه البرنامج الذي يسير عليه حتى يتقنه .

عوائق التركيز :

1.أشنع هذه الأمور حب الدنيا فحب الدنيا ينتج فساد كثير من الأمور ، ويعالج بالدعاء وتدبر القرآن والسنة فإذا اجتثها يرتاح .

2.عدم وضوح الأهداف وهذا يسبب له التشتت .

3.سوء استعمال الجوال والأجهزة والتشتت في البرامج العلمية .

4.التركيز على شيء واحد بعد تطبيق مجالاته المطلوبة منه . فيخطط ويضع له أهداف لكن يضع غالب جهده فيما يخطط له ، من غير ضياع لمجالااته الأخرى كصحته وبر أهله .

5.أن ينتبه أن التوزان ليس هو التساوي ، بل التوازن أن يعطي كل مقدار ما يحتاجه حسب كل مجال .

محاذير التركيز :

التركيز على أمر واحد بعد أداء الواجبات في كل المجالات من مجال ديني وأسري واجتماعي ووظيفي وصحي ومالي .ويجعل جل اهتمامه وجهده على مجال واحد ، ولايضيع بقية المجالات .

  • التركيز على جانب واحد لايعني الانقطاع على المجالات الأخرى ، ولامانع من المشاركات في المجالات بشكل جزئي لاسيما إن وجد احتياج لك .
  • التركيز متدرج مع الإنسان بحسب عمره ومعرفته وطبيعيته ، فلايتطلب الوضوح من بداية المراحل . شيئا فشيئا يزداد بصيرة بنفسه .

نماذج من تركيز أهل العلم :

من طلاب العلم من يحصل في خمس سنوات أكثر ممن يحصله في خمسين سنة أوكما ذكر الشيخ الخضير :”العبرة ليست بطول السنين انما بعرض الانجازات”

  • الإمام الرازي مات ولده فلم يغلبه الحزن عليه من الاستمرار عن التأليف و اكمل تأليفه .
  • محمد بن سحنون : كانت له سرية ، فلما حضر الطعام كانت تلقمه الطعام حتى طلع الصبح ولم يشعر بذلك ، من شدة تركيزه .
  • السيوطي رحمه الله من أكثر العلماء المؤلفين في موضوعات مختلفة ، فمن أكثر سماته موضوع التركيز بدأ من سن 17 وحتى سن 40 انقطع في بستان وتفرغ لمؤلفاته وكتبه .
  • القاسم بن سنام ، ابن حجر ألفو كتبهم في 40 سنة .

اظهر المزيد

الفسيفساء

كاتبة متخصصة في العلوم الإسلامية والتغذية الصحية ومهمتة بعلوم الحاسب والبرمجة وتعلم اللغات الحية .

نورتنا بزيارتك، فلا تحرمنا من آرائك وتعليقاتك ...

زر الذهاب إلى الأعلى