إسلامياتتاريخ

العين .. حقيقة أم خرافة ؟

قبل سنوات ، أي عندما كنت طفلة .. لم أكن أعلم مطلقا أن هناك شيئا اسمه ” عين ” أو “سحر” أو حتى ” مس” . ليس لأني لم أسمع بهم أو لَمْ يَمُرَّ عَلَيَّ ذكرهم في كتاب أو جريدة أو أي مصدر آخر .. لكن لأني لم أرى ذلك عيانا أمامي ، ولم يسبق لأحد أن قال لشيء حدث ورأيته أنّ سببه عين أو سحر ، إلا ما نَدَر . أو ربما لأني كنت لاهية بألعابي وعالمي الطفولي الجميل ، ولم تكن تلك الأمور ونظائرها تحوز اهتمامي أو تسترعي انتباهي .

ما كنت أسمعه شيء مألوف لدى الجميع .. ذاك الطفل أصابته الحمى لأن العجوز الفلانية أعطته عينا لم تسبح الرحمن . وذاك لم يجد عملا رغم كفاءته وسعيه لأن عين الناس تلحقه . وتلك تَعَطَّل نصيبها في الزواج وكلها جمال ودلال بسبب أعين الحاسدين ، وكيد الحاقدين . وأخرى لم تحمل لِذَاتِ العِلَّة .. و هذي تطلقت ، وتلك ترملت والمتهم الأول عين من لا يرضى بحكم الخالق ، وقسمة الرازق .

في الحقيقة لم أكن أفهم المقصود من كل ما يُقال .. ولم أُكلّف نفسي عناء البحث والسؤال. لكن مع الوقت تَفَتَّح عقلي على كثير من الخفايا كنت غافلة عنها . وقرأت عن العين والسحر والمس والجن . وعرفت أنها حقيقة وواقع لا يمكن إنكاره .

وقبل أن أسترسل في الكلام .. سأعترف بأن الناس تُبالغ إلى حد ما في تقدير الأمور . إذ تجد أكثرهم ينسب كل مصاب يقع ، أو حدث سيئ لم يأت على المراد والكَيف كما يُقال ، إلى العين والسحر ، وينطبق عليهم المثل الشعبي القائل : “اللِّي خانو سَعدُو ، يْقُول بِيَا سْحُور” . والأمر ليس كذلك .. ليس كل ضرر يصيبنا مرده العين أو السحر . قد نرسب لأننا لم نجِدّ في العمل ،أو لأننا اجتهدنا لكن ولسبب ما لم نحسن الإجابة ، أو لأن الأستاذ ظلمنا . وربما لن نجد عملا لأن المؤهلات لا تسمح ، أو لأننا يئسنا من البحث ولم نتابع . أسباب كثيرة قد نُفسِّر بها ما يقع معنا من مشاكل وأمراض قبل أن ننسبها للعين والسحر دون تأكد .

لكن مع ذلك لا يجب أن نغفل إمكانية أن يكون السبب عينا أو سحرا .. وهذا أمر سيتضح مع الوقت . سواء بتجاوب المعني مع القرآن لتظهر عليه علامات وأعراض العين والسحر . أو لعجز اللأطباء مثلا عن تفسير حالته _ وهذا حدث كثيرا _ عندها يضع المرء في الحسبان أنْ رُبما قد أصابته عين ، أو به سحر .. فيلجأ عندها إلى علاجهما ويقطع الشك باليقين .

هناك كثير من المنكرين لوجود العين .. ويعتبرونها خزعبلات وخرافات عجائز . و ذلك لأنه لا تفسير علمي لها . هذا مع أن كثيرا من الأمور تقع ويكون دور العين فيها واضحا .. كم فتاة تساقط شعرها بشكل مخيف مباشرة بعد حضورها عرسا أو لمة نسوة ؟ كثير وكثير ، وفي الغالب لا ينفع في إعادة شعرهن شيء إلا القرآن والرقية من العين . أتذكر زميلتي التي أخبرتني عن عرس حضرته بعد شرائها صندلا جديدا وجميلا . وبمجرد دخولها قالت إحداهن : “واو .. ماأجمله من أين اشتريته” ، زميلتي بداخلها كانت تقول : ” قولي على الأقل ما شاء الله ” ، وبالفعل لم تكمل الأخيرة موشح الإشادة والإعجاب حتى تمزق الصندل . أتذكر أيضا تلك التي اتبعت حمية لفترة لإنقاص الوزن وكانت بدينة بعض الشيء ، مع أول ظهور للنتائج جاء من يقول : ” رائع ، واو ، لقد نحفت ، ماذا فعلتِ ؟ ” وما إلى ذلك ، صدق أو لا تصدق ، مشوارها مع التنحيف توقف عند ذاك الحد ، لم يتحرك وزنها كيلو واحدا بعد ذلك . والكثير الكثير من القصص والوقائع التي لا يزول ضرها إلا بعلاج العين .

عبر التاريخ ..


العين

العين ليس مفهوما وليد أمس .. فقد عُرفت منذ القديم ، وانتقلت بين الشعوب والثقافات تقريبا بنفس المفهوم .

هل رأيت من قبل هذه الزخارف والقلائد ؟

زخارف وتعاويذ لدرء عين الشيطان
قلادة للحماية من العين
قلادة يد الخمسة والعين لدرء العين الحسودة

إن كنت لا تعرفها فهي مجموعة تعاويذ على شكل زخارف أو قلائد ، يعتقد الناس أنها تدرؤ عنهم ضرر العين الحسودة ، وتحميهم من تأثيرها الشرير . هذا الاعتقاد كان سائدا من القديم ، ولازال البعض إلى اليوم يعتقدونه .

العين الشريرة ، أو عين الشيطان أو العين الحسودة .. هو مصطلح أطلقه القدامى من شعوب اليونان والرومان ، والبوذيين والهندوسيين وغيرهم على تلك العين التي يمكنها أن تلحق الضرر بهم أو بمحاصيلهم وأشيائهم حسدا منها . وقد كانوا يلجؤون لدفع تأثيرها وحماية أنفسهم إلى السحر والتمائم والتعاويذ والطقوس ، وأكثرها شهرة هي عين الياقوت الأزرق ، وكذلك اشتهرت يد الخمسة التي تتوسطها عين مفتوحة في منطقة البحر الابيض المتوسط . والصور في الأعلى ماهي إلا واحدة من مئات الطرق ضد العين . هذه الطقوس قد امتدت إلى عصرنا الحالي ، فاليوم مثلا تجد من يضع عجلة سيارة في أعلي المنزل ليحمي بيته وأهله من العين . وإلى جانب ذلك تجد المفتاح الذي يوضع غالبا على شكل قلادة في العنق ، وتجد رمز الخمسة ، والذي يتبناهه الناس عادة .. إذ يفرد الواحد يده في وجه من يُعجبه شيء يلبسه أو يحمله قائلا ” خمسة في عينيك” ، لدفع تأثير عيون المُعجب الحاسد .

في اليونان القديمة وروما كان يُعتقد أن العين الشريرة ستصيب كل شخص يُبالغ في الإشادة به ومدحه . وكانوا يربطون الإصابة باي مرض بالعين بشكل أو بآخر . واعتقد البعض أيضا أنها عقاب من الآلهة لأولئك الذين اغتروا بممتلكاتهم وإنجازاتهم .

أما عند الهندوس فقد كانوا يؤمنون أن العين هي النقطة التي تحوي أكبر قدر من الطاقة في الجسم ، بالتالي فهي الأكثر تأثيرا . وإلى جانب خوفهم من العين الحسودة ، كانوا يخافون من العين المُعجَبَة . ويعتقدون أيضا أن الغيرة من أهم أسباب العين الشريرة . وكانوا يرون أنه حتى بعض الحيوانات كالافاعي قادرة على إعطاء الإنسان عينا شريرة ، وتأثير عين المرأة أكبر من نظيرتها الرجالية .

هناك من حاول تفسير هذه الظاهرة ، ومنهم الفيلسوف الإغريقي بلوتارخ، الذي عرض تفسيرا علميا للحسد، قال فيه: “إن عين البشر لديها القدرة على إطلاق أشعة غير مرئية، كانت في بعض الحالات، من القوة بحيث أهلكت الأطفال أو الحيوانات الصغيرة. “

كما كان البعض يظن أيضا ، أن أصحاب العيون الزرقاء هم الأقدر على إصابة الناس بالعين . وتشير الأبحاث أن أول أشكال التعاويذ والتمائم يعود إلى سنة 3300 قبل الميلاد . وقد كان مفهوم العين بارزا بكثرة في منطقة البحر الأبيض المتوسط و غرب آسيا .

بعدها جاءت الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية والإسلام لتؤكد وتشير إلى وجود العين . كما ورد ذكر العين الشريرة في كثير من الروايات والأساطير والكتب الأدبية من مختلف الثقافات .

العين في الإسلام


تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن العين في أحاديث كثيرة . ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أسترقي من العين ” ، وأخرج مسلم وأحمد والترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا ” صححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1251 ) .

وأخرج الإمام أحمد والترمذي ( 2059 ) وصححه ، عن أسماء بنت عميس أنها قالت : “ يا رسول الله ، إن بني جعفر تصيبهم العين ، أفنسترقي لهم ؟ ، قال : نعم ، فلو كان شيء سابق القدر لسبقته العين “. وصححه الألباني في صحيح الترمذي .

وأخرج الإمام أحمد ( 15550 ) ومالك ( 1811 ) والنسائي وابن حبان وصححه الألباني في المشكاة ( 4562 ) عن سهل بن حنيف أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وسار معه نحو مكة حتى إذا كانوا بشعب الخرار ( اسم موضع ) من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف وكان رجلا أبيض حسن الجسم والجلد فنظر إليه عامر بن ربيعة أحد بني عدي بن كعب وهو يغتسل فقال : ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة ، فلبط سهل ، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل : يا رسول الله ، هل لك في سهل والله ما يرفع رأسه ، قال : هل تتهمون فيه من أحد ؟ ، قالوا : نظر إليه عامر بن ربيعة ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرا فتغيظ عليه ، وقال : علام يقتل أحدكم أخاه ، هلا إذا رأيت ما يعجبك برَّكت ، ثم قال له : اغتسل له ، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم صب ذلك الماء عليه يصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه ثم يكفأ القدح وراءه ، ففعل به ذلك ، فراح سهل مع الناس ليس به بأس .

وللوقاية من العين وجب على المسلم الاستعاذة من الشيطان ، كأن يقول ” أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ” ، “أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ” . وأن يُحصن نفسه بقراءة ورد يومي من القرآن ، ويلزم أذكار الصبح والمساء فهي حصن للمسلم .

وسأنقل كلام ابن اليخ ابن العثيمين عن العين وكيفية الوقاية والعلاج منها ، إذ قال رحمه الله :

” رأينا في العين أنها حق ثابت شرعاً وحسّاً ، قال الله – تعالى – : وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم القلم / 51 ، قال ابن عباس وغيره في تفسيرها : أي يعينوك بأبصارهم ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا ” رواه مسلم ، ومن ذلك ما رواه النسائي وابن ماجه أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل … – وساق الحديث – .

والواقع شاهد بذلك ولا يمكن إنكاره .

وفي حالة وقوعها تستعمل العلاجات الشرعية وهي :

1- القراءة : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” لا رقية إلا من عين أو حمة ” الترمذي 2057 و أبو داود 3884 ، وقد كان جبريل يرقي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : ” باسم الله أرقيك ، من كل شيء يؤذيك ، من شر كل نفس أو عين حاسد ، الله يشفيك ، باسم الله أرقيك ” .

2- الاستغسال : كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم عامر بن ربيعة في الحديث السابق ثم يصب على المصاب .

أما الأخذ من فضلاته العائدة من بوله أو غائطه فليس له أصل ، وكذلك الأخذ من أثره ، وإنما الوارد ما سبق من غسل أعضائه وداخلة إزاره ولعل مثلها داخلة غترته وطاقيته وثوبه ، والله أعلم .

والتحرز من العين مقدماً لا بأس به ، ولا ينافي التوكل بل هو التوكل ؛ لأن التوكل الاعتماد على الله –سبحانه – مع فعل الأسباب التي أباحها أو أمر بها وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين ويقول: ” أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة ” الترمذي ( 2060 ) وأبو داود ( 4737 ) ويقول : ” هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل عليهما السلام ” ، رواه البخاري ( 3371 ) . “

المراجع


  1. حقيقة العين وسؤالها ، الإسلام سؤال وجواب
  2. قصة تميمة العين عبر آلاف الأعوام ، BBC
  3. Leila Ettachfini , “The Meaning Behind the Evil Eye Symbol You See Everywhere ” , June 5, 2018
  4. The evil eye , https://jewishgiftplace.com
الوسوم
اظهر المزيد

آفاق

ماستر ومهندسة دولة في الإعلام الآلي والبرمجيات وكاتبة

مقالات ذات صلة

نورتنا بزيارتك، فلا تحرمنا من آرائك وتعليقاتك ...

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق